علي الجارم / مصطفى أمين
165
البلاغة الواضحة ( البيان والمعاني والبديع للمدارس الثانوية )
( ح ) أن يجعل المنكر كغير المنكر إن كان لديه دلائل وشواهد لو تأمّلها لارتدع عن إنكاره . نموذج بيّن وجه خروج الخبر عن مقتضى الظاهر فيما يأتي : ( 1 ) قال تعالى : « يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ » . ( 2 ) إنّ برّ الوالدين لواجب ( تقوله لمن لا يطيع والديه ) . ( 3 ) إن اللّه لمطّلع على أفعال العباد ( تقوله لمن يظلم الناس بغير حق ) . ( 4 ) اللّه موجود ( تقول ذلك لمن ينكر وجود الإله ) الإجابة ( 1 ) الظاهر في المثال الأول يقتضى أن يلقى الخبر خاليا من التوكيد ؛ لأن المخاطب خالى الذهن من الحكم ، ولكن لما تقدم في الكلام ما يشعر بنوع الحكم أصبح المخاطب متطلعا إليه ؛ فنزّل منزلة السائل المتردد واستحسن إلقاء الكلام إليه مؤكدا جريا على خلاف مقتضى الظاهر . ( 2 ) مقتضى الظاهر أن يلقى الخبر غير مؤكد ، لأن المخاطب هنا لا ينكر أن بر الوالدين واجب ولا يتردد في ذلك ، ولكنّ عصيانه أمارة من أمارات الإنكار ؛ فلذلك نزّل منزلة المنكر . ( 3 ) الظاهر هنا يقتضى إلقاء الخبر غير مؤكد أيضا ، لأن المخاطب لا ينكر الحكم ولا يتردد فيه ولكنه نزّل منزلة المنكر ، وألقى إليه الخبر مؤكدا لظهور أمارات الإنكار عليه ، وهي ظلمه العباد بغير حق . ( 4 ) الظاهر هنا يقتضى التوكيد ؛ لأن المخاطب يجحد وجود اللّه ، ولكن لمّا كان بين يديه من الدلائل والشواهد ما لو تأمله لارتدع عن الإنكار ، جعل كغير المنكر ، وألقى إليه خاليا من التوكيد جريا على خلاف مقتضى الظاهر .